الرئيسية | كتاب وآراء | التعلم على مدى الحياة لا على مدى الاختبارات.. حلم قيد الانتظار

التعلم على مدى الحياة لا على مدى الاختبارات.. حلم قيد الانتظار

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. أمينة منصور الحطاب

مشاركة في:

تذكرني الاختبارات بحالة الاستنفار التي ترافق الأزمات، وما تتطلبه من قدرة على التحمل والصبر وحسن الانتظار، وكما تحتاج الأزمات إلى إدارة وإرشاد فإن الاختبارات تحتاج إلى قوانين وتعليمات لضبط سيرها وتحقيق أعلى الدرجات، لذلك قررت فرض التعليمات التالية في منزلي ريثما تنتهي فترة الاختبارات:

1- الحد من الزيارات العائلية بكافة أنواعها وأشكالها.

2- تقليص عدد المكالمات الهاتفية إلى الحد الأدنى وكذلك الرسائل القصيرة.

3- اللجوء إلى الوجبات السريعة لتقليل الوقت الضائع في عملية الطبخ والتنظيف.

4- التأكد من المخزون الإحتياطي للشاي والقهوة والمنبهات الأخرى.

5- تقليل فترة متابعة التلفاز لتقتصر على برنامج واحد فقط خلال اليوم.

6- تفقد الإيميلات مرة واحدة كل يومين ويُمنع الدخول للـ (فيس بوك أو الواتس أب) خلال فترة الامتحانات.

7- اعتبار ساعات النهار ساعات دراسة فقط يتخللها بعض الاستراحات على أن لا تزيد عن الحد المسموح به.

8- الاكتفاء بخمس ساعات للنوم بدلاً من ثمانية ساعات.

9- لا للقيلولة أثناء النهار نعم للمذاكرة والانتباه شعار نحتذي به خلال هذه الأيام.

10- التسوق عبر الهاتف للاقتصاد في الأوقات.

 

اعذروني على هذه البداية الساخرة لكن هذا ما يحدث في البيوت الأردنية العامرة بالطلبة في مراحلهم الدراسية المختلفة، وشعارنا بذلك عند الاختبار يكرم المرء أو يُهان، ناهيك عن ازدياد الشجارات العائلية بسبب ارتفاع وتيرة الخوف والقلق من النتائج التي تتحكم في كل شيء من المستقبل الواعد إلى مستوى الثقة بالنفس والمكانة الاجتماعية بين الأقرباء حتى تصل إلى المصروف اليومي، وحالنا في ذلك يقول ارحموا عزيز قوم ذل بسبب الاختبارات.

تمر بنا السنون والحال نفسه من الخوف والارتباك، أما آن الأوان للنظر في سياسات عملية التقويم لجميع المراحل الدراسية بدءاً من الصف الأول الأساسي ومروراً باختبار الثانوية العامة وحتى المراحل الجامعية الدنيا والدراسات العليا! ليصبح التعليم ذا معنى على مدى الحياة لا على مدى الاختبارات.

 

المدرسة الحديثة

إن المدرسة الحديثة لا تركز على الجانب المعرفي للمتعلم فقط بل تهتم بجميع جوانب النمو من منطلق التكامل والتوازن في شخصية المتعلم، ولعل شيوع هذه العبارات على ألسنة التربويين في المدرسة التقليدية يدل على الشعور الكامن بأهمية الأهداف الانفعالية والحركية أيضاً والتي لا تقاس بالاختبارات بالمعنى التقليدي .

 

الاختبارات التقليدية

ولعل أبرز قضية مثيرة للجدل في التقويم بالاختبارات التقليدية تركيزها على قياس المعرفة أكثر من تركيزها على الأداء الواقعي أو التقويم في مواقف تصورية او افتراضية، مما يجعلنا غير قادرين على التحقق من توظيف المعرفة والأداء في المواقف الحقيقية، فهو تقويم ناقص أو قاصر، وهذا يعني أنه لا بد من جمع المعلومات المتعلقة بالبرامج المختلفة في العملية التعلمية- التعلمية بأدوات غيرالاختبارات سواء كانت معلومات كمية أو معلومات نوعية. 

وغالباً ما تتهم الاختبارات التي يجريها المعلمون في المدارس والجامعات بالقصور، لأنها تركز على المجال المعرفي أولاً وتهمل المجالات الأخرى للأهداف، وليس هذا فحسب بل إنها تركز على المستويات الأولى من المجال المعرفي وتهمل أيضاً العمليات العقلية العليا والتفكير بأنواعه، وهي بذلك تكرس ممارسات الحفظ على حساب المعنى مع أن الهدف الأساسي من التعليم هو تدريب المتعلم كيف يفكر، وكيف يحل المشكلات، ويتوصل إلى المعلومات، لا أن تقدم له المعلومات جاهزة، ولأن أي التقويم بالاختبارات يركزعلى النتائج فقط، فإنه غالبا ما يتجاهل العلميات أو الطرق التي يعمل بها المتعلم، ناهيك عن أن الأسئلة التي توضع في الاختبارات لا تمثل مواقف حقيقية، وغالباً ما تنطلق من افتراض مفاده أن المتعلم الذي يحصل فيها على علامات عالية سيكون ناجحاً في حياته العملية، وفي الموقع الذي يوضع فيه، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذا مجرد افتراض، ويؤكد على ضرورة تأهيل العاملين في ميادين مختلفة، فغالباً ما يعاني أفراد المجتمع من ضعف في المهارات، والكفايات المطلوبة للنجاح في العمل على أرض الواقع، وكثيراً ما نشكو من الأخطاء في المجالات الطبية، وفي هندسة البناء، وفي والميكانيك، وفي كل المجالات ... بما في ذلك مهارات المعلمين أنفسهم الذين يعدون الاختبارات وغيرها من متطلبات العملية التعليمية.

 

الاختبارات الجيدة

إن الانتقال في التفكير من التقويم التقليدي إلى التقويم الواقعي قد يحمل في طياته ردة فعل غير واقعية تجاه التقويم بالاختبارات، وكأن مسؤولية القصور تُلقى على الاختبارات نفسها، وليس على نوعية الاختبارات ومواصفاتها، ومهارات القائمين على إعدادها، وإذا كان القصور أو العجز في القدرات والمهارات وارداً في الاختبارات، فمن الطبيعي أن يستمر هذا القصور في إعداد وتنفيذ أساليب التقويم بغير الاختبارات، ولذلك فالمطلوب هو إتقان الدور المتكامل لتقويم أداء الطلبة الذي يتطلب تعدد أساليب وأدوات التقويم، بما في ذلك القدرة على صناعة الأسئلة في الاختبارات، فالأسئلة الجيدة وبالتالي الاختبارات الجيدة هي التي تكون فيها صفة أو جرعة التقويم الواقعي أكثر وضوحاً.

 

التقويم الواقعي

يتطلب التقويم الواقعي بالدرجة الأولى من المعلم أن يحدد وظيفة الهدف التعليمي، فقد يكون حفظ المعلومة هدفاً واقعياً ومطلوباً في مرحلة معينة، ولكن حفظ الكثير من المعارف والمعلومات والتركيز عليها بشكل كبير قد يعكس عدم وضوح الأهداف التربوية الحقيقية أو الهامة، وقد يكون لهذا التركيز غير المجدي أو المبرر إنعكاسات سلبية على الفرد والمجتمع، لأن فيه تعطيل للطاقات الفردية، وكبح الفرص التي تكسب المتعلم طرائق التفكيروخاصة التفكير الإبداعي.

 

تطوير الاختبارات

وهناك الكثير من المؤشرات التي تدل على أهمية تطوير وتحسين العملية التربوية ومن ضمنها تجويد الاختبارات وتوظيف أساليب وأدوات التقويم الأخرى المعدة إعداداً جيداً، حتى لا تتكرر الصورة نفسها في التقويم بالاختبارات، وفي الوقت نفسه تجويد التقويم بالاختبارات نفسها لتتكامل عملية التقويم. 

وهذا يعني أهمية تحديد أدوات وأساليب التقويم المناسبة للغرض أولاً. والتنويع في الأدوات ليس هدفاً بحد ذاته، لأنه قد يكون شكلياً وليس أكثر من ردة فعل غير متوازنة، فهده الأدوات والأساليب غالباً ما تتطلب استخدام الملاحظة أو المقابلة وقد تختلف في درجة تفصيل لما يمكن ملاحظته، وعدد فئات التدريج لتقدير مستوى الأداء الذي يُمكّن المعلم من تحويل الأداء النوعي إلى كمي، خاصة وأن المدارس والجامعات اعتادت على تلخيص أداء الطالب بصورة رقمية على الرغم من السلبيات التي تحملها العلامات المدرسية والجامعية.

 

Ameeneh@live.com

 
  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص بسيط
amad.jo   amad.jo
 
 
amad.jo   Red More ...