الرئيسية | كتاب وآراء | ضبط الإيقاع في حقول القمح

ضبط الإيقاع في حقول القمح

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.هديل مصطفى بكر

مشاركة في:

اجتمع الرجل الوقور "صاحب حقول القمح" مع الأهالي في القرى المجاورة لقريته، واستمع إليهم. وفي نهاية الإجتماع وقف الرجل الوقور، وقال لهم: ما رأيكم؟ لو ذهب اليافعون معي إلى حقول القمح ليتعلموا؟ علت الهمهمات هنا وهناك. تشاور الحاضرون فيما بينهم، ثم تقدم أحدهم، ووقف أمام الحضور، وقال: ما المانع؟ مرّت السنون ولم يتعلم اليافعون إلاّ القليل. تمردوا، وازدادت خلافاتهم، وأصبحوا لا يستجيبون لنا. 

جمع الرجل اليافعين من القرى المجاورة، ووصلوا إلى حقول القمح في أوائل فصل الربيع. كان بجانب الحقول أرض مسطحة واسعة، ومقسمة إلى قطع مستطيلة كبيرة. وبالقرب من تلك المستطيلات الترابية، وقف عدد من الرجال الذين علت وجوههم ابتسامة الترحاب باليافعين الجدد. 

رحّب الرجل باليافعين. وقال لهم: هؤلاء مدربيكم، وهناك ستجلسون للتعلم. وأشار إلى المستطيلات الترابية. ثم أومأ برأسه إلى أحد المدربين. فتقدم المدرب، وقال: في حقول القمح لا تدخين، لأننا نخشى إشتعال الحقول. ثم تابع قائلا: ولا هواتف نقالة، لأننا نستمع إلى موسيقى سنابل القمح. رفع أحد اليافعين يده وسأل: هل تعزف سنابل القمح قطعاً موسيقية. أجاب الرجل الوقور: نعم، وعليكم أن تستمعوا إليها. 

وقف الرجل، وقال: أيها المدربون، لقد قسّمت الأرض بجانب حقول القمح إلى مستطيلات. قوموا بتوزيع اليافعين عليها. وبعد توزيعهم، حاوروهم، وعلموهم كيف يتعلمون. وبعد مضي ما يزيد على عشرة أيام، سأل المدربون الرجل الوقور وهو ينظر إلى السماء: لقد حاورنا اليافعين. ماذا سنفعل بعد ذلك؟ أجابهم: دعوهم يتكلمون، وعندما يطلبون منكم السماح لهم باللعب توقفوا عن الحوار. وهذا ما حدث، استمر المدربون في محاورة اليافعين، وتلقي الأسئلة المختلفة، والاشتراك في الإجابة عليها. وبعد مضي أسبوعين، طلب اليافعون السماح لهم باللعب. فلعبوا في حقول القمح، ورسموا سنابلها الخجولة المائلة. 

تعلم اليافعون عن دورة الماء في الطبيعة، والبناء الضوئي، والدارات الكهربائية في الآلآت الزراعية، وبعض موضوعات الميكانيكا، وجمعوا الحشرات والديدان، ورصدوا الطقس في حقول القمح، وحسبوا كلفة إنتاج القمح، والأرباح المتوقعة من بيعه، و...، و...، الخ. 

كتب اليافعون قصصهم بلغتين، وقرأوها. وكانت تصحح لهم، واحتفظوا بها في حقائب الأوراق الملونة، كما دونوا الملاحظات عن تجاربهم ليعودوا بها إلى قراهم.

أحب اليافعون ليالي حقول القمح. كانوا يرصدون النجوم مع مدربيهم. كانوا يدعون الله في صلواتهم، ويسبحون عظمته عند رؤية الشهب تعبر صفحة السماء. كانوا يتحلقون حول النار المشتعلة، محاولين الاستماع إلى موسيقى حقول القمح في كل ليلة. كانت ظلال المساء تبعث فيهم روحاً من الأمل بأن الغد القادم سيكون جميلاً. 

في نهاية فصل الربيع، جمع الرجل الوقور اليافعين أمام حقول القمح وقال لهم: تهب الرياح على هذه السنابل السعيدة، أنظروا إليها وهي ترقص، من منكم يسمع صوت الموسيقى في حقول القمح؟ رفعت مجموعة صغيرة منهم أيديهم. نظر إليهم، وقال: اصغوا جيدا. 

جمع الرجل المدربين مرة أخرى، وقال لهم، أوقفوا التعليم، وحاوروا اليافعين. حدثوهم عن أهدافهم المشتركة، ومعتقداتهم، وأحلام قراهم، واستمعوا إلى آمالهم. ساعدوهم في رسم طرقهم نحو المستقبل، ثم ارجعوا إلى التعليم. واطلبوا منهم أن يعلنوا أفكارهم المبدعة، وحفزوهم على كتابة قصصهم، وإياكم أن تتوقفوا عن الاستماع إليهم.

وقبيل موسم الحصاد، استعدت السنابل الذهبية للانطلاق في رحلتها. فتجمع اليافعون لحصادها. أشار الرجل الوقور إلى السنابل، وقال: أيها اليافعون: أترون السنابل الذهبية، إنها ترقص فرحاً، ستسافر في رحلة حبوب القمح. من منكم يسمع صوت الموسيقى في الحقول عندما تهب الرياح على سنابل القمح الجذلى فتحركها يمنة ويسرة. ضحك اليافعون، ورفعوا أيديهم وهم يقفزون، فقفز صاحب حقول القمح والمدربون، وركضوا جميعاً إلى الحقول. 

زحفت الغيوم المنخفضة إلى السماء، واكتست الهضاب المجاورة باللون الرمادي، وهبت رياح الخريف الباردة. رجع اليافعون إلى قراهم وكتب الرجل الوقور إلى أهالي القرى المجاورة: انتمى اليافعون إلى ثقافة عززت مظاهر اقتدوا بها. نحن نرى العالم من خلال العدسات الثقافية. والعدسات التي يرى دماغنا بها العالم تشكل واقعنا، فإذا تغيرت العدسات تغيرت الطريقة التي نرى بها العالم. لقد ضبط إيقاع الاختلافات الثقافية بينهم، وسمعوا صوت الموسيقى في حقول القمح.

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص بسيط
amad.jo   amad.jo
 
 
amad.jo   Red More ...